Chronicles about Blasphemy

5. Blasphemers of today - Arabic Version

تصنيف التجديف


في 30 كانون الثاني/يناير 2006، أمر مرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف المسلمين رسمياً بمقاطعة المنتجات الدنماركية والنرويجية إثر نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد في الصحيفة الدنماركية جيلاندز - بوستن قبل بضعة أشهر. وأثار فيلم تجربة المسيح الأخيرة The Last Temptation of the Christ فضيحة في الأوساط المسيحية ولدى بعض رجال الدين الذي دعوا إخوانهم في الإيمان إلى مقاطعته. لا شك في أنه يحق لهؤلاء الأشخاص بالتعبير عن معتقداتهم، ومفهومهم للخير والشر، والذوق الصالح والطالح، والمقدّس والمدنّس.


عرض إمام باكستاني مكافأة من مليون دولار لمن يقتل أحد الرسّامين الكاريكاتوريين. وفي هذه المرة، كانت الدعوة إلى الجريمة واضحة وموضوعية لا تمت إلى التعبير الملموس عن المعتقد بصلة. وينطبق الوضع نفسه على الدعوة الصادرة عن ممثل للسلطات العامة هو وزير الدولة في ولاية أتار براديش - في الهند- يعقوب قرشي الذي حدد المبلغ المقدّم لكل من يغتال أحد الرسّامين الكاريكاتوريين بستة ملايين جنيه استرليني.


في العام 1989، عبّر آية الله الخميني عن استنكاره لكتاب الآيات الشيطانية للروائي البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي. ولكن استنكاره هذا لم يصدر بصفة شخصية أو باسم المسلمين الإيرانيين، أو الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وإنما أطلق فتوى باستخدامه هيبته وشرعيته لاعتبار سلمان رشدي مجدِّفاً ودعوة كل مسلم صالح إلى القضاء عليه. ومنذ ذلك الحين، اتخذ مفهوم الفتوى - التي تعني رأياً قانونياً في القانون الإسلامي بكل بساطة - معنى عاماً في الغرب يعادل الإعدام. وفي الأسابيع التالية لهذا الإعلان عبر راديو طهران، في 14 شباط/فبراير 1989، أحرقت كتب رشدي في الساحات العامة. وتم الاعتداء على المكتبات التي كانت تعرض الرواية والصحف التي كانت تدافع عنها. ولم تهدأ الأحوال: ففي العام 1991، اغتيل الأستاذ إيغاراشي، مترجم الكتاب إلى اللغة اليابانية. وبعد عامين، في العام 1993، نجا الناشر الإيطالي للكاتب من رصاصات القاتلين. وكان منفّذو الفتوى مستعدّين للقيام بأي أمر: فقد كلّف الحريق الذي اندلع في فندق سيفاس في تركيا حيث كان مترجم الكتاب إلى لغة هذا البلد مستقراً حياة سبعة وثلاثين شخصاً.


ودعمت بعض الدول هذه الفتوى. ولم يقتصر هذا الدعم على الدول المسلمة وحسب شأن باكستان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والصومال، والسودان، وبنغلادش، وإندونيسيا. وإنما صدر أيضاً عن الهند وجنوب أفريقيا اللتين منعتا نشر الكتاب على أراضيهما. ولم تبلغ الأمور حدها لأن إيران لا تزال تدعم الفتوى المعلنة ضد سلمان رشدي بالرغم من مرور عقدين على صدورها واعتذارات الكاتب في العام 1990. وحتى أن العرض على رأس رشدي ارتفع في العام 2003 من 2.8 إلى 3 ملايين دولار حسب آية الله حسن صانعي.


مع قضية الرسوم الكاريكاتورية، استسلمت الديموقراطيات أمام ابتزاز الإرهاب والدعوة إلى المقاطعة الاقتصادية. وبعيد نشر هذه الرسوم في خريف العام 2005، ذكرت الحكومة البريطانية إدراج جنحة "الكراهية العرقية والدينية" في نظامها القانوني. فإذا بعدة دول عربية تضغط لفرض عقوبات على الرسّامين وتدعو في بعض الأحيان، كما البرلمان الأردني في كانون الثاني/يناير 2006، إلى معاقبتهم. واتخذت القضية بعداً دولياً: فقطعت ليبيا والمملكة العربية السعودية العلاقات الدبلوماسية مع الدنمارك. واعترضت تركيا، مع أنها علمانية نظرياً، على تعيين راسموسن، رئيس الوزراء الدنماركي، أميناً عاماً لحلف شمال الأطلسي لأنه دافع عن حق جيلاندز - بوستن بنشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد. ولكن تركيا تراجعت عن اعتراضاتها بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه "ضامناً" لاحترام عدد من الالتزامات وفقاً لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. أما الأمم المتحدة فتلقت إخطاراً رسمياً من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بالتصويت على قرار "يحظر الإساءة إلى الأديان" يقترن بعقوبات ضد المؤسسات والدول التي يتبيّن أنها مذنبة بأعمال تجديفية مماثلة أو تسمح بارتكابها على أراضيها.


سجن الباحث والصحافي وعالم الدين الإيراني حسن يوسفي إشكواري لمدة أربعة أعوام (أفرج عنه في العام 2005) لأنه "أهان القرآن والجمهورية الإسلامية الإيرانية والإسلام" في حين أنه لم يقم إلا بالتعبير عن آرائه السياسية - الدينية في خلال مؤتمر من تنظيم معهد هاينرخ بول في برلين. وأمضى الصحافي والإصلاحي الإيراني أكبر غانجي ستة أعوام في السجن بجنحة رأي. ولا يزال غيره معتقلين شأن عالم الدين الإصلاحي أحمد غابل، مما يؤكد أن التدنيس، والتشهير، والإخلال بالاحترام الواجب إلى الدين، تشكل جميعها حججاً يتذرَّع بها لكمّ الأصوات الناقدة سياسياً وإلغائها.


بيد أن ضحايا الاضطهاد بسبب "إهانة الدين" لا يزالون كثراً : ففي العام 2008، حكم على طالب في مجال الصحافة في أفغانستان بالسجن لمدة عشرين عاماً بتهمة "التجديف". وفي هذا البلد نفسه، في العام 2009، حكم على مترجمين للقرآن أغفلا إبراز النسخة العربية مقابل ترجمتهما بالسجن لمدة عشرين عاماً أيضاً. ويمكن لأي كان اليوم التعرّض للتوقيف حتى في دولة ديموقراطية شأن الهند - كما حلّ في شباط/فبراير 2009 برئيس تحرير صحيفة ستايتسمان - بسبب "جرح مشاعر المسلمين الدينية". وفي ماليزيا، وهي دولة مسلمة معتدلة نسبياً، تم توقيف صحافي مدوّن اعتبر مهذاراً : فما كان من رجا بترا كرم الدين إلا أن اضطر للفرار من بلاده تهرباً من تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقه. وفي تركيا العلمانية، لوحق الروائي نديم غورسل في العام 2008 لتحقيره القيم الدينية للشعب في روايته "بنات الله". وشرح نديم غورسل الذي يقيم بين فرنسا وتركيا أنه "ينبغي التحلّي بالحرية لإلقاء نظرة انتقادية على الأديان. وموقفي واضح. إنني أحترم الإيمان والمؤمنين".


قد يتخطى هذا الاحتداد حدود السخرية تماماً عندما أثارت منحوتة في القرن السابع عشر من توقيع ماتيوس فان بنفيرين واكتشفت في كنيسة بلجيكية فضيحة لدى السلطات التركية لأنها تبرز رجلاً شرقي الهيئة يعتمر عمامة ويمسك بكتاب قد يكون القرآن، ممدداً على بطنه تحت أرجل ملاكين منتصرين. فرأت فيها إهانة للدين الإسلامي باعتبار أن الرجل الممدد على الأرض قد يكون محمد. فهل يجوز إتلاف هذه التحفة الفنية التي تنتمي إلى التراث البلجيكي؟ أو بالأحرى، يمكن طرح سؤالاً آخر أكثر إثارة للسخرية، هل يمكن إدانة فأر صغير من تصميم والت ديزني لاحترام الفتوى الصادرة عن محمد المنجد في العام 2008؟ علماً بأن هذا الداعية السوري الأصل والمقيم في المملكة العربية السعودية تهجّم على ميكي بحجة أن الفأر حيوان "نجس في نظر الإسلام".


وليس الوضع بواضح في أوروبا حتى لو كانت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تضمن حرية التعبير. ففي إسبانيا، يمنع منعاً باتاً التعرّض للعقائد والمعتقدات والحفلات الدينية. لذا، لوحق مروّجي لعبة فيديوية تتضمن مشاهد غير محتشمة وصلباناً مسيحية أمام القضاء. وحظر فيلم مونتي بايتون "حياة براين" لمدة ثمانية أعوام في إيرلندا، و11 عاماً في إيطاليا، و22 عاماً في جرسي، وعام في النرويج بسبب "إهانته" الدين المسيحي، مع الإشارة إلى أن فنلندا تمنع هذا النوع من الإهانات بوضوح تماماً كما تمنع التجديف. وينطبق الوضع نفسه على النمسا، والدنمارك، وهولندا، وسويسرا، وبولندا، وألمانيا، حيث حظرت مسرحية كوميدية غنائية في العام 1994 لأنها كانت تهزأ بالرؤية الكاثوليكية للعالم. وفي اليونان، حكم على رسّام نمساوي هو جرهارد هاديرير في المحكمة الابتدائية في العام 2003 بالسجن لمدة ستة أشهر بتهمة "التجديف".

5. Blasphemers of today - French Version

Un leader des Frères musulmans, Mohammad Mehdi Akef, a solennellement exhorté, le 30 janvier 2006, les musulmans à boycotter les produits danois et norvégiens, à la suite de la publication des caricatures de Mahomet, dans le journal danois Jyllands-Posten quelques mois auparavant. Le film La dernière tentation du Christ a provoqué un scandale dans des milieux chrétiens, et chez certains clercs de cette religion, qui appelèrent leurs frères de même confession à le boycotter. Ces personnes ont bien entendu le droit d'exprimer leurs convictions, leur conception du bien et du mal, du bon et du mauvais goût, du sacré et du sacrilège.

Un imam pakistanais a offert une récompense d'un million de dollars pour le meurtre d'un des caricaturistes. Cette fois, c'est un appel clair et objectif au crime, et nullement l'expression concrète d'une conviction. De même, quand un autre appel au meurtre provient d'un représentant des pouvoirs publics, en l'occurrence du ministre de l'Etat de l'Uttar Pradesh en Inde, Yaqoob Qureshi. La somme offerte pour l'assassinat d'un des caricaturistes incriminés est encore plus conséquente : six millions de livres sterling.

En 1989, l'Ayatollah Khomeiny avait exprimé son indignation face au livre Les versets sataniques du romancier britannique d'origine indienne Salman Rushdie. Il ne l'a pas fait à titre personnel, ni même au nom des musulmans iraniens, ou de la République islamique d'Iran. Il a lancé une fatwa, usant de son aura et de sa légitimité, pour désigner Rushdie comme un blasphémateur et pour appeler tout bon musulman à le supprimer. Depuis, la notion de fatwa - qui signifie simplement un avis juridique en droit musulman - a pris le sens commun, en occident, d'une condamnation à mort. Dans les semaines qui suivirent cette annonce sur Radio Téhéran, le 14 février 1989, des livres de Rushdie ont été brûlés en place publique. Des librairies qui proposaient le roman et des journaux qui le défendaient ont été attaquées. Les tensions ne se sont pas apaisées : en 1991, le professeur Igarashi, le traducteur en japonais du livre, a été assassiné. Deux ans plus tard, en 1993, l'éditeur italien de l'écrivain a échappé aux balles des tueurs. Les exécuteurs de la fatwa ne reculent devant rien : l'incendie de l'hôtel Sivas en Turquie où séjournait le traducteur du livre dans la langue de ce pays a coûté la vie à trente-sept personnes.

Certains Etats ont soutenu cette fatwa. Et pas seulement des Etats musulmans comme le Pakistan, l'Arabie Saoudite, l'Egypte, la Somalie, le Soudan, le Bangladesh ou l'Indonésie. Mais aussi l'Inde et l'Afrique du Sud, qui ont interdit la diffusion du livre sur leur territoire. Les choses ne sont pas terminées puisque l'Iran soutient toujours la fatwa prononcée contre Salman Rushdie, deux décennies plus tard, malgré les excuses de l'écrivain en 1990. L'offre iranienne pour la tête de Rushdie est même passée, en 2003, de 2,8 à 3 millions de dollars, a-t-on appris par la voix autorisée de l'Ayatollah Hassan Saneii.

Avec l'affaire des caricatures, les démocraties ont cédé devant le chantage au terrorisme et l'appel au boycott économique. Immédiatement après la publication des caricatures, à l'automne 2005, le gouvernement britannique a évoqué l'introduction dans son système juridique d'un délit de « haine raciale et religieuse ». Nombre d'Etats arabes ont fait pression pour obtenir des sanctions contre les dessinateurs, et parfois même ont appelé, comme le parlement jordanien en janvier 2006, à les châtier. L'affaire a pris une dimension internationale : la Lybie et l'Arabie Saoudite ont rompu toute relation diplomatique avec le Danemark. La Turquie, pourtant théoriquement laïque, s'est opposé à ce que Rasmussen, le premier ministre danois, soit nommé secrétaire général de l'OTAN, parce qu'il avait défendu le droit du Jyllands-Posten de publier les caricatures de Mahomet. La Turquie a finalement levé ses objections après que le président américain Barack Obama se fut porté "garant" du respect d'un certain nombre d'engagements, selon le Premier ministre turc Recep Tayyip Erdogan. Mais surtout, les Nations unies ont été sommées par la Ligue arabe et l'Organisation de la conférence islamique de voter une résolution « interdisant le mépris des religions », assortie de sanctions contre les institutions et les Etats qui se rendraient coupables de tels blasphèmes, ou qui les laisseraient commettre sur leur sol.

Le chercheur, journaliste et religieux iranien Hassan Yousefi Eshkevari a été emprisonné pendant quatre ans (libéré en 2005) pour avoir "insulté le Coran, la République islamique d'Iran et l'Islam", alors qu'il avait simplement exprimé ses vues politico-religieuses lors d'une conférence du Heinrich Böll Institute, à Berlin. Le journaliste et réformiste iranien Akbar Ganji a, quant à lui, passé six années en prison pour un délit d'opinion. D'autres sont toujours détenus, comme le théologien réformiste Ahmad Ghabel. On le voit, le sacrilège, la diffamation, l'irrespect envers la religion constituent autant de prétextes pour bâillonner et éliminer les voix trop critiques politiquement. Les victimes des persécutions pour "insulte à la religion" sont toujours plus nombreuses : en 2008, en Afghanistan, un étudiant en journalisme a été condamné à vingt ans de prison pour "blasphème". Dans ce même pays, en 2009, deux traducteurs du Coran, qui avaient omis de faire figurer la version arabe face à leur traduction, ont été condamnés, eux aussi, à vingt ans de prison. On peut être arrêté aujourd'hui, même dans un pays démocratique tel que l'Inde - ce fut le cas, en février 2009, du rédacteur en chef du journal le Statesman - pour avoir « blessé les sentiments religieux des musulmans ». En Malaisie, un pays musulman plutôt modéré, un journaliste-blogueur un peu trop prolixe a été arrêté : finalement, Raja Petra Kamarudin a été obligé de fuir son pays pour échapper à la peine de mort. Dans la Turquie laïque, le romancier Nedim Gürsel a été poursuivi, en 2008, pour avoir "dénigré les valeurs religieuses de la population" dans son roman "Les filles d'Allah". "Il faut avoir la liberté de porter un regard critique sur les religions, et ma position est claire, je respecte la foi et les croyants" a expliqué Nedim Gürsel, qui partage sa vie entre la France et la Turquie.

Cet acharnement peut quelquefois franchir les frontières du ridicule, comme lorsque une sculpture du XVIIème siècle signée Mattheus van Benveren, et découverte dans une église belge, fait scandale auprès des autorités turques parce qu'on y voit un homme enturbanné à l'allure orientale tenant un livre qui pourrait être le Coran, couché à plat ventre sous les pieds de deux anges triomphants. Il y aurait là insulte à l'islam, l'homme ainsi terrassé pouvant être Mahomet. Faut-il détruire cette œuvre d'art qui fait partie du patrimoine culturel belge ? Ou, plus grotesque encore, faut-il bannir la célèbre petite souris imaginée par Walt Disney, pour respecter à la lettre la fatwa de Mohammed Al-Munjid prononcée en 2008 ? Ce prédicateur d'origine syrienne, installé en Arabie Saoudite, s'en était pris à Mickey, sous prétexte que la souris serait un animal "islamiquement impur".

En Europe, la situation n'est pas claire, même si la Convention européenne des droits de l'homme garantit la liberté d'expression. En Espagne, il est pénalement interdit de porter des attaques aux dogmes religieux, croyances et cérémonies religieuses. Du coup, les promoteurs d'un jeu vidéo comprenant des scènes irrévérencieuses et des croix chrétiennes ont pu être traînés en justice. Le film des Monty Python, "La vie de Brian", a été banni en Irlande pendant huit ans, onze ans en Italie, vingt-deux ans à Jersey et un an en Norvège pour "offense" à la religion chrétienne. La Finlande interdit très clairement ce type d'offense et même, au sens propre, le blasphème. Il en est de même en Autriche, au Danemark, aux Pays-Bas, en Suisse, en Pologne, en Allemagne, où fut interdite, en 1994, une comédie musicale qui tournait en dérision la vision catholique du monde. En Grèce, c'est un dessinateur autrichien Gerhard Haderer qui a été condamné, en première instance en 2003, à six mois de prison pour "blasphème".

5. Blasphemers of today

A leader of the Muslim Brotherhood, Mohammad Mehdi Akef, urged his fellow Muslims to boycott Danish and Norwegian products on 30 January 2006, in protest at cartoons of the prophet Mohamed printed in the Danish newspaper Jyllands-Posten some months earlier. The film The Last Temptation of Christ outraged many Christians and some clerics even called on Christians to boycott it.

Read more: 5. Blasphemers of today

4. Five centuries of blasphemy - Arabic Version

 

الحق بالتجديف، من دعائم العالم المعاصر


في السابع من أيار/مايو من عام العفو 1397، اتخذ ملك فرنسا شارل السادس (1368 - 1422)، قبل انتشار محاكم التفتيش، أحد أبرز الإجراءات في خلال حكمه بإصداره مرسوماً ضد المجدِّفين. ويصف النص بأدق التفاصيل المنفّرة العقوبات التي يتعرّض لها كل من يجرؤ على التجديف بمريم، والدة المسيح، والقديسين الذين تعترف الكنيسة بهم، وبطبيعة الحال يسوع المسيح. أما من يشتم الكنيسة وقديسيها كتابةً أم شفوياً يربط بعمود التشهير لأكثر من نصف يوم. ويطلب من المواطنين ذري عينيه بالوحل، والنفايات، بما في ذلك الحجارة لإصابته بجروح، ومن ثم يسجن لمدة شهر لا يتناول في خلاله سوى الخبز والمياه. وليست هذه العقوبة إلا تحذيراً موجهاً إلى كل من يسترسل في التجديف للمرة الأولى. وتصبح الأمور أكثر جدية لمن يعيد الكرة، فتشرم شفتاه وتكوى بالحديد الحامي.


وبهذا، أصبحت الدولة الهدف المحرّض والذراع المسلّح الحامي للاحتكار الكاثوليكي. ولا شك في أن هذه العلاقة بين الدول الأوروبية شهدت أوقات عسر ويسر ونزاعات وشقاقات وبات الحظر المطلق عن الإيمان كما يحلو للمرء يقترن بالحظر المطلق عن التعبير عنه. وقد عرف هذا الضبط التام للإعلام بالقوة الدينية بالنزعة الظلامية أو التجهيلية القائمة على الترويج للجهل الذي يعتمد على معاقبة التجديف.


في الدين المسيحي، كان البروتستانت أول من قاموا بزعزعة سلطة التجديف بدءاً من القرن الخامس عشر حينما عمدوا، كما يشير إليه اسمهم باللغة الفرنسية، إلى الاحتجاج على نفوذ الكهنة مطالبين بحرية الإيمان وبالتالي حرية المعتقد، ما أدى إلى اضطهادهم وارتكاب مجازر جماعية بحقهم في مناسبات مختلفة شأن ليلة عيد القديسة بارتليمي. وفي ليلة واحدة، في 24 آب/أغسطس 1572، نظّمت مطاردة فعلية ضدهم، بدعم جزئي من الملك شارل التاسع ووالدته كاثرين دي ميديسيس. أقفلت أبواب المدن ليتمكن الكاثوليك المسلّحون مسبقاً من ملاحقة البروتستانت بمنأى عن أي عقاب. فإذا بهم يقتلون حوالى 3000 بروتستانت في مدينة باريس وحدها. وانتشر الجنون الدموي في الأيام التالية في المحافظات، ما أسفر حتى تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه عن 10000 ضحية. وفي غضون ذلك، أخذ البابا غريغوريوس الثالث عشر يطلب إنشاد لحن التمجيد Te Deum احتفاءً بهذا "الحدث المجيد" وتنفيذ لوحات زيتية وعملات نقدية تبرز هذه المجزرة "الرائعة". أما ملك إسبانيا فيليب الثاني المتطرف كاثوليكياً فلم يقوَ على مسك نفسه عن اعتبار هذا اليوم الأروع في حياته فيما هددت ملكة إنكلترا إليزابيت الأولى المصابة بالجنون بقطع كل العلاقات الديبلوماسية مع فرنسا.


وأمام الإصرار البروتستانتي، وجدت عدة تسويات. ولعل مرسوم نانت أو مرسوم التسامح الذي وقّعه الملك هنري الرابع في 30 نيسان/أبريل 1598 هو أشهرها علماً بأن هذا النص هو بحد ذاته ثمرة مسار إحلال السلام الذي ترجم بمرسوم سان - جيرمان الذي وقّعه الملك شارل التاسع في العام 1562. ولكن مرسوم نانت سجّل وقف عمليات الاضطهاد التي أدمت القرن ولا سيما بفرضه ضمانات لتأمين سلامة البروتستانت. واضطر الملك هنري الرابع البروتستانتي لاعتناق الكاثوليكية ليتمكن من التربّع على عرش فرنسا. بيد أنه يستحيل نسيان قرون طويلة من التعصّب بسهولة. فبدأت إعادة النظر في مرسوم نانت تفرض نفسها تدريجاً حتى أبطله الملك لويس الرابع عشر نهائياً في 18 تشرين الأول/أكتوبر 1685. وإذا بالتعبير عن الإيمان البروتستانتي يمنع مجدداً مؤدياً إلى اهتداءات مزيّفة إلى الكاثوليكية ولا سيما هجرة حوالى 300000 هوغونوتي (فرنسيين بروتستانت) إلى أمريكا، وإنكلترا، وسويسرا، وهولندا، إلخ. غير أن الروح الثورية راحت تلفح المواطنين يوماً بعد يوم حتى بدأ تطبيق الحظر يتراجع إلى حين توقيع الملك لويس السادس عشر على مرسوم التسامح قبل عامين من اندلاع ثورة 1789 التي استعاد البروتستانت كامل حرية تعبيرهم في خلالها.


وبالتالي، انقسمت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر بين البروتستانت من جهة، والكاثوليك من جهة أخرى. وأخذ المبدأ الذي يفرض على المواطن اعتناق دين ملكه ينهار لتحل مكانه فكرة تقول بأن الإيمان لا يقرَّر خارجياً وإنما بفعل خيار شخصي مستبقةً نوعاً ما فكرة حرية المعتقد التي ولدت من رحم حرية التعبير.


وكان القرن الثامن عشر نتيجة لهذا الصراع التاريخي. وقد حدث أول انقلاب عظيم بشكل متناقض في بلد كاثوليكي واستبدادي، هو فرنسا. وكان ذلك في أثناء ثورة 1789 حينما أصبح اقتحام الباستيل رمزاً لتحرر الآراء. فكانت هذه الثورة ثورة حرية التعبير الذي ترجمت بوفرة الصحف. إلا أنه، قبيل وقوعها، شهدت فرنسا إحدى أفظع الإدانات بتهمة التجديف التي اعتبرت من الأكثر وحشية وتصدّرت الأخبار حتى نهاية القرن الثامن عشر. إنها الإدانة التي طالت رجلاً يكاد يبلغ التاسعة عشرة من العمر ويدعى الفارس لابار الذي اتهم ظلماً بتشويه صليب. فحكم عليه بالتشويه الذي بدأ بقطع لسانه ومعصميه قبل قطع رأسه وحرقه. أما السبب الفعلي لهذه الإدانة الوحشية فكانت تتمثل بالاشتباه بحرية فكره لأنه لم ينزع قبعته عن رأسه في حفل ديني وكان يملك ثلاثة كتب محظورة ولا سيما الموسوعة الفلسفية لفولتير. وقد أحرق الفارس لابار حياً مع الكتب الثلاثة. ولم يردّ اعتباره إلا في العام 1793. ولكن هذه المأساة، بالرغم من دناءتها، مهّدت السبيل لانقلاب كبير لأن متهمي الفارس لم يجرؤوا على الإدلاء بالسبب التاريخي للتجديف وهو حرية الفكر وليس الإخلال، الغامض وغير المحتمل، بالاحترام الواجب للذخائر أو أي مقدّسات أخرى.


في الأساس، لطالما كان التجديف على هذا النحو، أسلوباً لتبرير التعصّب وتنظيمه على مستوى الجماعة الدينية أو المجتمع برمته بحجة انتهاك الحرمات وتدنيسها. ولم يختلف الوضع اليوم في باكستان. فمنذ العام 1982، يعاقب قانون العقوبات الباكستاني أي انتهاك تجديفي للقرآن. ومنذ العام 1986، بات إصدار عقوبة الإعدام بحق من يهين شخص النبي محمد جائزاً. وبعيداً عن الفضيحة الملازمة لقانون مماثل، استخدم هذا القانون بغزارة لإبعاد أعداء سياسيين، والتخلّص من أشخاص مزعجين، ومحاربة الأقليات المسيحية. وقد استرسلت السلطات في إطلاق الاتهامات الخاطئة وعمليات التوقيف السريعة التي لا ترتكز على أي أساس جدي وإنما تقوم على مجرّد التنديد بالتجديف (أكثر من 650 حالة منذ العام 1982 وفقاً للأسقفية الباكستانية). وفي العام 2005، كانت السجون الباكستانية تزدحم بحوالى مئة مسيحي من المجدِّفين المفترضين، فضلاً عن تنفيذ أحكام بالإعدام صادرة ضد عشرات الأفراد في خلال الأعوام العشرين الأخيرة بتهمة التجديف. وبسبب هذه الانحرافات بالتحديد التي استحالت مطاردة فعلية للمشعوذين، اضطر البرلمان في العام 2004 لاتخاذ تدابير لتصعيب الإدانات.


ويبدو من الشائن أيضاً أن تقدم السلطات الباكستانية على حظر فيلم دافينشي كود في العام 2006 مع أنه في غاية السوء وحافل بالمغالطات التاريخية لأنه يخل بالاحترام الواجب "لرسول الله العظيم" ولا سيما يسوع الناصري.

4. Five centuries of blasphemy - French Version

En l'an de grâce 1397, au 7ème jour de mai, le roi de France Charles VI (1368-1422), avant même que l'Inquisition ne se déploie, prend une des mesures les plus importantes de son règne : l'ordonnance contre les blasphémateurs. Le texte décrit avec moult détails sordides les peines encourues par ceux qui se risqueront à blasphémer Marie, mère du messie, les Saints reconnus par l'Eglise, et bien sûr Jésus-Christ. Dorénavant, ceux qui jureront contre l'Eglise et ses Saints par écrit ou oral, seront mis au pilori pendant plus d'une demie journée. Il sera recommandé au peuple de leur jeter de la boue dans les yeux, des ordures, y compris des pierres afin de les blesser, après quoi ils seront emprisonnés un mois avec pour seule nourriture du pain et de l'eau. Cette punition n'est, en outre, qu'un avertissement adressé à ceux qui s'adonnent au blasphème pour la première fois. Pour les récidivistes, les choses deviennent plus sérieuses, ils pourront avoir les lèvres fendues puis passées au fer rouge jusqu'aux gencives.

L'Etat devient le complice objectif de la religion, le bras armé qui protège le monopole catholique. Bien sûr cette relation entre les Etats européens connaîtra des hauts et des bas, des conflits et même des ruptures. L'interdiction absolue de croire ce que l'on veut va de pair avec l'interdiction absolue de l'exprimer. Ce contrôle total de l'information par la force religieuse est ce que l'on appelle l'obscurantisme, une sorte de promotion de l'ignorance dont l'instrument essentiel est la punition du blasphème.

Dans la chrétienté, les premiers à faire vaciller le pouvoir du blasphème furent les protestants à partir du XVème siècle qui, comme leur nom l'indique, protesteront contre le pouvoir des prêtres, réclamant la liberté de la foi, et donc la liberté de conscience. En conséquence de quoi ils sont massacrés en masse à différentes occasions, par exemple lors de la nuit de la Saint Barthélémy. En une nuit, le 24 août 1572, une véritable chasse à l'homme se met en place dans le royaume de France, en partie soutenue par le roi Charles IX et sa mère Catherine de Médicis. Les portes des villes sont fermées afin que le peuple catholique préalablement armé puisse impunément se lancer à la poursuite des protestants. Aux alentours de trois mille d'entre eux auraient été massacrés dans la seule ville de Paris. La folie meurtrière se répand les jours suivants en province, et jusqu'en octobre de la même année, faisant près de 10 000 victimes. Pendant ce temps, le pape Grégoire XIII fait chanter un Te Deum pour fêter "l'événement glorieux". Il fait aussi exécuter des peintures et frapper des pièces de monnaie mettant en scène le « merveilleux » massacre. De son côté, le très catholique Philippe II, roi d'Espagne, n'aurait pu résister à s'exclamer qu'il s'agissait du jour le plus magnifique de son existence. La Reine d'Angleterre, Elisabeth 1ère, très atteinte moralement, menaça de rompre toute relation diplomatique avec la France.

Devant l'obstination protestante, différents compromis seront pourtant trouvés dans le royaume de France. L'Edit de Nantes, ou Edit de tolérance, signé le 30 avril 1598 par Henri IV, en est le plus célèbre. Ce texte est lui-même le résultat d'un processus de pacification qui s'était déjà traduit par l'Edit de Saint-Germain signé par Charles IX en 1562. Mais l'Edit de Nantes marque l'arrêt des persécutions qui ont ensanglantées le siècle, avec en particulier la mise en place de garanties pour assurer la sécurité des protestants. Le protestant Henri IV avait dû lui-même se convertir au catholicisme pour accéder au trône de France. Mais l'inertie de plusieurs siècles d'intolérance ne peuvent être si facilement oubliée. Progressivement remis en cause, l'Edit de Nantes sera finalement révoqué par Louis XIV le 18 octobre 1685. L'expression de la foi protestante est à nouveau interdite, ce qui entraînera de fausses conversions au catholicisme, et surtout un exil massif de près de 300 000 huguenotes vers l'Amérique, l'Angleterre, la Suisse, la Hollande, etc. Cependant, l'esprit révolutionnaire soufflant de plus en plus fort, la proscription était de moins en moins appliquée, jusqu'à l'Edit de tolérance, signé par Louis XVI deux ans avant la Révolution de 1789, durant laquelle les protestants recouvrèrent la plénitude de leur liberté d'expression.

L'Europe s'est ainsi partagée en deux pendant les XVIème et XVIIème siècle : protestants d'un côté, et catholiques de l'autre. Le principe selon lequel on doit forcément avoir la religion de son roi commença alors à s'effriter. L'idée selon laquelle la foi ne se décrète pas extérieurement, mais se choisit personnellement, fait son chemin, et anticipe, en quelque sorte, l'idée de liberté de conscience, qui elle-même accoucha de l'idée de liberté d'expression.

Résultat de ce combat historique : le XVIIIème siècle. Le grand renversement se produira d'abord, un peu paradoxalement, dans un pays catholique et absolutiste : la France. C'est la Révolution de 1789. La prise de la Bastille symbolise la libération des opinions. Cette révolution est avant tout celle de la liberté d'expression, qui d'ailleurs se traduira par une explosion des titres de presse. Une des ultimes condamnations pour blasphème, qui sera une des plus cruelles, y est prononcée peu de temps avant la Révolution, et défrayera d'ailleurs la chronique jusqu'à la fin du XVIIIème siècle. Il s'agit d'un jeune homme d'à peine dix-neuf ans, le chevalier de La Barre, qui sera, à tort, accusé d'avoir mutilé un crucifix. Il sera condamné à être lui-même mutilé, langue arrachée et poings coupés, avant d'être décapité et brûlé. La vraie raison de cette condamnation, d'une extrême barbarie, étant que le chevalier de La Barre était soupçonné de libre pensée, d'abord parce qu'il ne se serait pas dévêtu la tête lors d'une cérémonie religieuse, mais aussi, et surtout, parce qu'il possédait trois livres bannis, en particulier le fameux Dictionnaire philosophique de Voltaire. Le pauvre chevalier de La Barre fut effectivement mis au bûché avec lesdits ouvrages. Il faudra attendre1793 pour qu'il soit réhabilité. On sent néanmoins à travers ce drame, aussi ignoble soit-il, qu'un grand renversement se prépare, car les accusateurs du chevalier n'osent pas donner la raison historique du blasphème : le simple fait d'être un libre penseur, et non le fait, confus et improbable, d'avoir manqué de respect à des reliques ou à d'autres objets du culte.

Au fond, le blasphème a toujours été cela : une façon de justifier l'intolérance et de l'organiser à l'échelle d'une communauté religieuse ou d'une société entière, sous prétexte de sacrilège ou de profanation. C'est encore aujourd'hui le cas au Pakistan. Depuis 1982 dans ce pays, le code pénal punit toute atteinte blasphématoire envers le Coran, et depuis 1986 la peine de mort peut même être prononcée contre ceux qui insulteraient la personne de Mahomet. En dehors du scandale intrinsèque d'une telle loi, le fait est qu'elle a été profusément utilisée pour écarter des ennemis politiques, pour éliminer des personnes gênantes, et plus généralement pour combattre les minorités chrétiennes. Les fausses accusations sont légions. Les arrestations sommaires sans fondement sérieux se multiplient sur simple dénonciation de blasphèmes (plus de 650 depuis 1982, d'après l'épiscopat pakistanais). Près d'une centaine de chrétiens, blasphémateurs supposés, étaient encore en prison en 2005. Sans parler des exécutions capitales pour blasphèmes de plusieurs dizaines de personnes ces vingt dernières années. C'est d'ailleurs bien à cause de ces dérives, qui finissaient par tourner à une chasse aux sorcières, que le parlement lui-même a dû en 2004 prendre des mesures pour rendre, malgré tout, les condamnations plus difficiles.

Il semble tout aussi scandaleux qu'en 2006 le film Da Vinci Code, par ailleurs assez mauvais et bourré d'erreurs historiques, ait pu être interdit par les autorités pakistanaises parce qu'il manquait de respect à « un prophète de Dieu tout puissant », en l'occurrence à Jésus de Nazareth.

4. Five centuries of blasphemy

On 7 May, in the year of grace 1397, King Charles VI of France (1368-1422) took one of the most important decisions of his reign, issuing a decree against blasphemers even before the Inquisition set to work. It describes in sordid detail the punishments that would be faced by anyone who blasphemed against the Virgin Mary, saints recognised by the church and, of course, Jesus Christ. From then on, anyone who took the names of the saints or the church in vain, in speech or writing, was put in the stocks for more than half a day and people were encouraged to throw mud, rubbish and stones in their eyes. After that the victims were locked up for a month and given only bread and water. And that was just a warning to first-time blasphemers. Backsliders suffered much harsher punishments, such as having their lips split, then burned to the gums with a red-hot poker.

Read more: 4. Five centuries of blasphemy

3. The blasphemer who started a religion - Arabic Version

بين المجدّفين ومؤسسي الأديان


حتى لو لم ترد الكلمة نفسها على لسان من حكم بها - ولسبب وجيه هو أن المسيحية ساهمت في انتشارها! - يمكننا أن نعتبر أن يسوع الناصري، المعروف بالمسيح، ومؤسس الدين المسيحي، قد صلب وحكم عليه بالإعدام بتهمة التجديف. فيتهم هذا الشاب الذي لم يكد يتجاوز الثلاثين من عمره أنه ادعى بأنه ابن الله، ملك اليهود. وهو ادعاء لم يكن مجلس حكماء اليهود يسمح به لا سيما أن عدداً كبيراً من الإخوة في الدين كانوا يجمعون على أن يسوع هو المسيح. وحوالى العام 32 بعد الميلاد، أدين أول الشهداء المسيحيين الذي حاز لقب القديس إتيان بالتجديف وسقط رجماً بالحجارة في الساحة العامة. إلا أن التناقض كان فاضحاً: فالذي عمِّمت تهمة التجديف باسمه كان يعدّ بنفسه من أبرز مجدّفي التاريخ! وقد تبعه عدد من القديسين المقدّسين الذين لا يجوز التجديف بحقهم! وكذلك مارتن لوثر الذي أطلق حركة الإصلاح الديني البروتستانتي وكان من أبرز المجدّفين في تاريخ المسيحية بتشكيكه، بحدة نادرة تجاور اللعنة، في المعتقدات الكاثوليكية الراسخة شأن المطهر. وقد أمر البابا لاون العاشر بعزله في مرسوم أصدره ضده ولم يتردد لوثر عن إحراقه علناً. إلا أن من كان راهباً كاثوليكياً أولاً رفض العزل المفروض عليه حتى حرمانه المعلن في الثالث من كانون الثاني/يناير 1521.


باستعراض تاريخ الأديان الموحِّدة، ندرك أن معظم الأنبياء كانوا أصيلين في انفصالهم عن الدين الرسمي، وأصحاب رؤيا يسترسلون فيها إلى حد الجنون، يقيمون اتصالاً مباشراً بالله، وبالتالي، يعرّضون السلطات الدينية الرسمية للخطر. وغالباً ما اعتبروا مجدِّفين ولوحقوا على هذا الأساس. لنتوقف عند موسى نفسه، جامع ومحرر الشعب اليهودي: ألم يعدّ أولاً مذنباً بالتجديف، هو الذي امتنع عن الاعتراف بآلهة مصر فيما أُنقذ من المياه ورُفع إلى منصب أمير مصري. وحتى لو كان أحد أصول التوحيد يكمن في الانقلاب الديني غير المسبوق الذي قام به من عُرِف بالفرعون المهرطق، أخناتون أو أمينوفيس الرابع، الحاكم التاسع للسلالة الثامنة عشرة التي بسطت ولايتها على مدى 1350 عاماً قبل عصرنا، صوفياً مذهلاً وعبقرياً دينياً، متقدّماً على عصره في شتّى الميادين بالرغم من اضطراره، في ظل ضغوط كهنة رأوا صورة المجدِّف فيه، للانكفاء والعودة إلى آلهته القدامى.


ومن بين الأمراء أصحاب الرؤى، لا يمكننا أن نمر مرور الكرام على الأمبراطور أشوكا الذي كان من أبرز الحكّام في تاريخ الهند وموحِّد شبه القارة في القرن الثالث، هذا الذي تخلّى عن الديانة البرهمانية وتحوّل إلى البوذية، فكان متقدّماً على زمنه أيضاً في سعيه إلى القضاء على نظام الطبقات، والحد من التفاوت الاجتماعي، والاهتمام برفاه الحيوانات - فإذا به سبّاق في النضال البيئي -، ما كلّفه اعتباره مجدّفاً، ومنتهكاً للطقوس البرهمانية، فيما امتنع عن اضطهاد من التزموا بولائهم للدين القديم ولاذوا بكرهه. ولكن حكمه لم يكن هو أيضاً سوى لحظة حرية في التاريخ قبل عودة البرهمانيين الذين أخذوا يضطهدون البوذيين إلى حد أن الهند، مهد هذه الفلسفة الروحية، باتت من الدول الآسيوية الوحيدة الخالية من البوذيين باستثناء من ظهروا مؤخراً وأعادوا البوذية إلى خارطة الأديان لمكافحة نظام الطبقات بالتحديد.


وبعد ذكرنا مؤسسي الأديان شأن يسوع أو كبار الأنبياء والمرشدين الدينيين شأن موسى، لمَ لا نخرج من إطار الأديان الموحِّدة هذا لنتحدث عن الأمير سيدارتا الذي يطلق عليه المعجبون به اسم ساكياموني في إشارة إلى حكيم قبيلة الساكيا ويعرّف أتباعه به على أنه البوذا أي الساهر أو اليقظ. وهو مثال المجدِّف بامتياز، إنسان شكك بكلام البرهمانيين في القرن الخامس قبل الميلاد ولا سيما بإيمانهم بأصالة عرقهم وضرورة أن يولد المرء في أسرة أرستقراطية ليعدّ من النبلاء، وفي أسرة كهنوتية ليعدّ كاهناً. كان بوذا، كما يسوع، عدو العرّافين، ينتقد طقوس عصره، وينادي بحقيقة هي ملازمة لداخل الإنسان ولا يمكن للسلطات الخارجية أن تمليها وتفرضها عليه. ولا شك في أن تصاريح مماثلة تندرج في خانة التجديف الأعظم فيما يرى متيقّظ بيناريس أن عمل التجديف الحقيقي والتدنيسي يكمن في الخطيئة المرتكبة ضد الروح: الجهل. إلا أن هذا المبدأ لا يحول، حتى اليوم، دون تعصّب البوذيين حيال انتشارهم في سريلانكا وخارجها. وإذا ما اتجهنا غرباً لوجدنا زردشت، النبي المؤسس للزردشتية، الذي عاش في القرن السادس في منطقة إيران الحالية وسمح لنفسه بانتقاد طقوس التضحية المعتمدة في ديانة الفرس المازدية ومعتقداتها. وبسبب هذا الموقف التجديفي، تعرّض للملاحقة واضطر للفرار خشيةً على حياته.


وقد اعتبر محمد نفسه والمسلمون الأوّلون مجدّفين بنظر أتباع عبادات العرب القديمة. واضطر مؤسس الإسلام ورعاياه الذين كانوا يثيرون قلق سكان مكة بأفكارهم الغريبة للانعزال في أثيوبيا لفترة من الوقت في ظل الحماية الحريصة والمسيحية لأمير هذه المنطقة البعيدة، نيجوس. تجدر الملاحظة أن كبار مؤسسي الأديان، والأنبياء، والقدّيسين، والمرشدين الروحيين، اعتبروا جميعهم مجدّفين لدينهم الأصلي، وهو الثمن الوحيد الذي دفعوه لأنهم كانوا مصلحين، وثورويين، وبأي حال أصحاب رؤى احترمت لاحقاً. لم يكونوا يخشون التجديف لشدة ما كان إيمانهم راسخاً. والواقع أن أبرز الصوفيين - من ابن عربي المسلم ("المتصوّف الكبير") إلى مايستر ايكهارت المتصوّف المسيحي الألماني - أقلقوا الهرميات الدينية التي كانت سائدة آنذاك وغالباً ما تعرّض أتباعهم للاضطهاد.


من يخشى التجديف؟ الجواب بسيط: أولئك الذين يبسطون سطوتهم ويتمتعون بصلاحية يرفضون تشاركها، أولئك المتمسكون بالمعتقدات الباطلة رموزاً كما التعويذات. إلا أن المؤمن يعرف أن الله لا يستاء من كلمة، أو تعبير، أو تمثيل، أو صورة - لا سيما في حالة الإسلام - لأن السامي يسمو على كل كلمة، وكل تعبير، وكل تمثيل، وكل صورة. لا يحتاج المؤمن الحق - وهذه ثابتة من الثوابت التاريخية - إلى أن يبرهن إيمانه كما لا يخشى الانتقاد. وحده رجل السلطة يهاب التجديف لأنه يهاب الجدة، والتغيير، والحرية، بما فيها حرية الأنبياء والمستنيرين. ويهاب بكل بساطة أن يخلع عن العرش

3. The blasphemer who started a religion

Jesus Christ of Nazareth, the founder of Christianity, was in effect sentenced to death and crucified for blasphemy even though his judges didn't actually use the word - for the very good reason that it was only later that Christians brought it into general use.

He had the effrontery to claim he was the son of God and the king of the Jews. The learned assembly of Judaism couldn't allow that, especially as Christ was regarded as the Messiah by a growing number of their fellow Jews. About 30 years later one of the first Christian martyrs, later canonised as Saint Stephen, was convicted of blasphemy and publicly stoned to death.

Read more: 3. The blasphemer who started a religion

3. The blasphemer who started a religion - French Version

Même si le mot n'a pas été employé en tant que tel par ses juges - et pour cause : c'est le christianisme qui en a popularisé l'emploi ! - on peut considérer que Jésus de Nazareth, allias Christ, l'Ouen, figure fondatrice de ce même christianisme, fut condamné à mort et exécuté pour blasphème. Ledit jeune homme, qui avait à peine dépassé la trentaine, aurait eu l'outrecuidance de se dire Fils de Dieu, Roi des Juifs. Ce que l'aréopage du judaïsme institué ne pouvait tolérer, surtout que ce Jésus était considéré comme le Messie par un nombre croissant de leurs coreligionnaires. L'un des premier martyr chrétien, qui sera canonisé sous le nom de Saint Etienne, sera lui aussi, vers 32 après JC, condamné pour blasphème, et mis à mort par lapidation en place publique. Le paradoxe est grandiose : celui au nom duquel on a généralisé le blasphème, était lui-même un des plus grand blasphémateur de l'histoire ! Et à sa suite, nombre de grands Saints, aujourd'hui objets de toutes les vénérations, et contre lesquels il est formellement interdit de blasphémer ! De même Luther, initiateur de la réforme protestante, fut un des plus grands blasphémateurs de l'histoire du christianisme, remettant en cause avec une rare virulence, allant jusqu'à l'imprécation, les croyances catholiques comme celle du purgatoire. Le Pape Léon X lui ordonna de se rétracter dans une bulle pontificale, qu'il n'hésitera pas à bruler publiquement. Celui qui fut d'abord un moine catholique refusera toujours de se rétracter jusqu'à son excommunication prononcé le 3 janvier 1521.

En remontant beaucoup plus loin dans l'histoire du monothéisme, on se rend compte que la plupart des prophètes étaient des originaux en rupture avec la religion officielle, des illuminés qui pouvaient être pris pour fou, revendiquant un contact direct avec Dieu, et par là mettaient en péril les autorités religieuses officielles. Ils furent souvent considérés comme des blasphémateurs et poursuivis comme tels. Prenons Moïse lui-même, rassembleur et libérateur du peuple juif : ne se rendit-il pas, d'abord et avant tout, coupable de blasphème, lui qui se refusa à reconnaître les divinités d'Egypte, alors qu'il aurait pourtant été sauvé des eaux, recueilli et élevé à la dignité de prince égyptien. Même si, d'ailleurs, une des origines possibles du monothéisme serait à chercher dans le renversement religieux inédit opéré celui que l'on a pas hésité à appeler le Pharaon hérétique, Akhenaton, ou Aménophis IV, neuvième monarque de la XVIIIe dynastie qui régna près de 1350 ans avant notre ère, extraordinaire mystique et géni religieux, en avance sur son époque dans de multiples domaines, mais qui dut, sous la pression des prêtres qui voyaient en lui un blasphémateur, se rétracter et revenir aux anciens dieux.

Dans la série des princes visionnaires on pourrait encore évoquer Açoka, le plus grand empereur de l'histoire de l'Inde, unificateur du sous-continent au IIIème siècle avant notre ère, qui abandonna la religion brahmanique et se convertit au Bouddhisme. Lui aussi, franchement en avance sur son temps, tenta d'abolir le système des castes, de limiter l'inégalité sociale, se préoccupant même du bien être des animaux- ce qui en fait un précurseur d'une certaine vision écologique - et fut ainsi considéré comme un blasphémateur, transgresseur des anciens rites brahmaniques, alors qu'il ne se refusa persécuter ceux qui restaient fidèles à l'ancienne religion et qui le haïssaient. Mais son règne, là aussi, ne fut qu'un instant de liberté à l'échelle de l'histoire, avant le retour au pouvoir des brahmanes qui, eux, persécutèrent fanatiquement les bouddhistes, à tel point que l'Inde, berceau de cette spiritualité, est presque un des seuls pays d'Asie où l'on ne trouve pas de bouddhistes, sauf depuis une époque récente, où cette religion a été réintroduite en particulier et justement pour lutter contre le système des castes.

D'ailleurs, et puisque nous avons évoqué les fondateurs de religion comme Jésus, ou les grands prophètes et guides religieux comme Moïse, sortons du monothéisme pur et simple, et parlons du Prince Siddhârta, celui que certains admirateurs nommeront Sakyamuni, le sage de la tribu des Sakya, et que l'on finira par appeler le Bouddha, l'Eveillé. Voilà, par excellence, un blasphémateur. Un individu qui, autour du Vème siècle av JC, remit en cause la parole des Brahmanes, leur croyance dans la pureté de la race, dans la nécessité de naître dans une famille aristocratique pour être noble, dans une famille de prêtre pour être prêtre. Le Bouddha fut, tout comme Jésus, une sorte de briseur de prêtre, critique des rites de son époque, qui proclamait que la vérité est intérieure, ne peut être décrétée et imposée par des autorités extérieures. De telles déclarations constituent, à n'en pas douter, le blasphème suprême. Pour l'Eveillé de Bénarès, le seul vrai blasphème, le seul sacrilège profond, est le péché contre l'esprit : l'ignorance. Ce qui n'empêche pas, encore aujourd'hui, l'intolérance de bouddhistes fanatique de se déployer au Sri Lanka et ailleurs. Plus à l'ouest, on a aussi Zarathoustra, le prophète fondateur du zoroastrisme, qui vécu probablement au VI ème siècle avant notre ère dans la région de l'Iran actuel, et qui se permit de critiquer les rites sacrificiels et les croyances de l'ancien mazdéisme, religion ancestrale de la Perse. A cause de cette attitude blasphématrice, il fut pourchassé et dut s'enfuir afin garder la vie sauve.

Mahomet lui-même et les premiers musulmans, furent pris pour des blasphémateurs par les fidèles de l'ancien culte des Arabes. Le fondateur de l'islam et ses premières ouailles, qui inquiétaient terriblement les habitants de la Mecque par leurs idées étranges, durent en effet s'exiler un temps en Ethiopie sous la bienveillante, et chrétienne, protection du Négus, le prince de cette région éloignée.

Force est de constater que les grands fondateurs de religion, les prophètes, saints, guides spirituels, furent presque tous les blasphémateurs de leur religion d'origine, et c'est à ce seul prix qu'ils furent des réformateurs, voire des révolutionnaires, en tout cas des visionnaires plus tard révérés. Ils ne craignaient pas le blasphème tant leur foi était forte. D'ailleurs les plus grands mystiques - d'Ibn Arabi le musulman (« le plus grand maître » pour les soufis) à Maître Eckhart, le mystique chrétien rhénan - ont inquiété les hiérarchies religieuses de leur temps, et leurs disciples furent souvent persécutés.

Qui donc peut craindre le blasphème ? Réponse : celui qui est en place. Celui qui dispose de l'autorité et entend le garder sans partage. Ou alors le superstitieux qui s'accroche à des symboles comme à des amulettes. En revanche, l'homme de foi sait que Dieu, l'absolu, ne peut s'offusquer d'un mot, d'une expression, d'une représentation, d'une image - surtout dans le cas de l'islam - justement parce que ce qui est transcendant transcende toute représentation, toute expression, toute image. L'homme de foi véritable - c'est pour ainsi dire une constante historique - n'a d'ailleurs rien à prouver et ne craint par conséquent pas la critique. Seul l'homme de pouvoir a peur du blasphème parce qu'il craint la nouveauté, le changement, la liberté, y compris la liberté des prophètes et autres illuminés, tout simplement parce qu'il craint, avant tout, d'être détrôné.

2. Blasphemy, or the invention of a thought crime - Arabic Version

التجديف، أو ابتكار جريمة الرأي


إن تجريم التجديف ليدل، باستخدام هذه الكلمة التي اعتبرت معيبة عبر التاريخ، على العودة إلى الأسلوب التعسفي في مصادرة الضمائر، والتراجع بالمعنى المعهود في الطب النفسي، وكأن الديمقراطية تعاني العقد، وكأن حقوق الإنسان لا تصلح لكل الناس، وكأن البعض أكثر مساواة من غيرهم، وكأنه يحق للبعض بالتمتع بصلاحيات، بلا أسباب وبلا منطق، غير متكافئة في دينهم نفسه، لأنهم يملكون التفسير الشرعي للنصوص. لذا، يجدر بنا أن ندرك أن إدراج مفهوم التجديف في النصوص القانونية كفيل بمنح حق اعتباطي، فوري وحتمي، لكل الذين يدّعون بـ "الشرعية"، ويفرضون رؤيتهم على المقدّس والمحرّم، وهي صلاحية يمكنهم أن يستخدموها ويستغلوها بلا شك على الآخرين، ولا سيما الأقليات، أصحاب الآراء الهامشية. هذا، بغض النظر عن العواقب الوخيمة التي قد تلقي بظلالها على المواطنين بوجه عام، أكانوا مؤمنين أم لا، وحتى على الذين لا يعنيهم التعبير عن أي رأي ديني. ويمكننا في هذا السياق أن نفكّر في العلماء، الباحثين في العلوم الإنسانية والعلوم الصحيحة على حد سواء، الذين يشككون عن غير قصد في حقيقة مقدّسة برأيهم وحده. لأن المسألة، كل المسألة، تكمن في حرية التعبير. أما الباقي من تشهير، وإهانة، وشتيمة، وتحريض على الكراهية، وإساءة إلى الدين، أو غيرها، كلها تشكل أسلحة تحمينا قانونياً.


وإن أردنا إضافة مصطلح "التجديف"، الديني بلا منازع، فيجدر بنا أن نفهم كنهه، ونعي إلى ما قد يؤول بنا إليه... وقد يرجعنا منه. ونتحدث في هذا الصدد عمّا برر على مدى قرون مكافحة الهرطقة التي تتجلى نسختها الأكثر إتقاناً في محكمة التفتيش، هذه المحكمة الكاثوليكية الاستثنائية التي أقيمت في القرن الخامس عشر، أولاً في إسبانيا، ومن ثم في سائر أوروبا لحماية طهارة العقيدة من الآراء غير التقليدية. فإذا بها تنظّم العقوبات ضد المجدِّفين، أو مجرمي الرأي، بدءاً من التوبة البسيطة، ووضع الصليب باستمرار على الثياب، مروراً برعاية الفقراء، وتلاوة الصلوات، والحج، ومصادرة الممتلكات، والجلد في الساحة العامة، والنفي، وصولاً طبعاً إلى الإعدام حرقاً.


ويمكن للتجديف أن يكون مباشراً، فيعدّ شكلاً من أشكال الرقابة. في القرون الوسطى مثلاً، كان التجرؤ على الادعاء بأن المسيح ليس الله، أو حتى الهمس بأنه قد لا يكون كذلك، أو أنه لم يقم من بين الأموات، يعتبر تجديفاً على الفور. ومنذ بدايات المسيحية، تجرّأ عالم اللاهوت أريوس (256 - 336) على القول إنه لا يمكن تشبيه يسوع بالله. وقد اعتبرت الأريوسية لاحقاً هرطقة ينبغي مكافحتها بأي ثمن. وتجرّأ الكاثار أيضاً على القول إنه لا قيمة لغالبية الأسرار الكاثوليكية من العمودية إلى الزواج مروراً باتحاد المؤمنين وسر القربان المقدس، مشككين بمعنى القداس بحد ذاته، بل بالإيمان بتجلّي المسيح في الخبز والنبيذ المكرّسين في الذبيحة الإلهية. وتجدر الإشارة إلى أن أي مسلم حكيم يبقى، وإن كان مؤمناً بوجود المسيح، مجدِّفاً فظيعاً بنظر الكاثوليكي لأنه لا يستطيع أن يؤمن بأن المسيح هو ابن الله تحت طائلة التحوّل إلى مجدِّف بنظر ديانته، الإسلام! والعكس صحيح أيضاً، ذلك أن الكاثوليكي الحكيم يبقى مجدِّفاً لا يحتمل في نظر المسلم لأنه يؤمن بأن الله قد تجسّد إنساناً، ما يعتبر انتهاكاً للحرمة الدينية!


ولكن التجديف قد يكون غير مباشر أيضاً، بل إنه غير مباشر خاصةً، وهذا الأخطر بالنسبة إلى حرية التعبير. ولإلغاء التجديف غير المباشر، علمياً، لجأت الكنيسة في العام 1559 إلى تقنية جديدة ساندت محكمة التفتيش، ألا وهي فهرس المحرّمات الذي يضم المؤلفات المثيرة للجدل والمحظور نشرها. وقد ظهرت فعالية أول فهرس إسباني بعد بضعة أشهر، بمؤلفاته الـ700 التي يجدر القضاء عليها. إن مجرّد التجرؤ على الظن وفرض هذا الظن، أكان صحيحاً أم لا، مثبتاً أم لا، أن الأرض دائرية الشكل، أو ليست مركز الكون، يعتبر عملاً جرمياً.


فهذه كانت الجريمة الوحيدة التي ارتكبها غاليليو العظيم، مؤسس علم الفلك المعاصر الذي اضطر للتوقف عن تعليم مبادئه وأجبر على لزوم منزله في العام 1633 لأنه كان يدافع، بفعل ملاحظاته التجريبية، عن أفكار كوبرنيكوس الشمسية المركز التي أدينت قبل أعوام من الديوان المقدس! وقبل بضعة عقود أيضاً، أصدرت محكمة التفتيش حكماً على الكاهن وعالم اللاهوت الدومينيكي جيوردانو برونو يقضي بإعدامه بعد ثمانية أعوام من المحاكمة، مع أنه كان مثالاً في التقوى. فإذا به يحرق حياً في السابع عشر من شباط/فبراير 1600 في روما لأنه أصرّ على القول بوجود عدة كيانات سمائية مثل الأرض في الكون قد تضم مخلوقات شبيهة بالإنسان، وبدوران الأرض حول الشمس وليس العكس (مستعيداً أفكار كوبرنيكوس هو أيضاً)، متجرّئاً على القول، لزيادة وضعه خطورة، أنه يجدر بالنجوم أن تكون شموساً بعيدة وأن الكون لا متناهٍ! ببساطة، توفي جيوردانو برونو بسبب فضوله الثقافي والعلمي وتمسّكه بالصدق.


نعدّ أنفسنا، بطبيعة الحال، بعيدين كل البعد عن عصر الظلامية. إلا أن استخدام بعض الهيئات التي نصّبت نفسها مدافعة عن حقوق الإنسان لهذا المصطلح لا يمكن أن يمر مرور الكرام... ليس في نص رسمي، عالمي الأبعاد. إنه يشكل مصدر غموض في أفضل الأحوال، وفي أسوئها، مصدر شرعية لسلطات لا تحترم بالضرورة حرية التعبير، بما فيها حرية التعبير الدينية لمن لا يشكلون الأكثرية، غير التقليدية، وغير النافذة في وطنها! إن الكلمات كهذه الكلمة المحمّلة تاريخياً بهذا الكم الهائل من العنف قد تؤدي، كأثر الفراشة، إلى عواقب كارثية.